محمد الغزالي
195
فقه السيرة ( الغزالي )
الخاصّة والعامّة ، واستنزل تأييد اللّه على أبر ما فيها وأنقاه ، كما استنزل غضبه على من يخون ويغش . واتفق المسلمون واليهود على الدفاع عن يثرب إذا هاجمها عدو ، وأقرت حرية الخروج من المدينة لمن يبتغي تركها ، والقعود فيها لمن يحفظ حرمتها . ويلاحظ أنّ الرسول عليه الصلاة والسلام في هذه المعاهدة أشار إلى العداوة القائمة بين المسلمين ومشركي مكة ، وأعلن رفضه الحاسم لموالاتهم ، وحرّم إسداء أي عون لهم ، وهل ينتظر إلا هذا الموقف من قوم لا تزال جروحهم تقطر دما لبغي قريش وأحلافها عليهم ؟ . أكان اليهود صادقين في موافقتهم على هذا العهد ؟ . أغلب الظنّ أنهم لم يكونوا جادّين حين ارتضوه وقبلوا إنفاذه . وآفة العهود أن يرتبط الوفاء بها بمدى المنفعة المرجوّة منها ، فإذا بدا أن المعاهدة المبرمة لا تحقّق المطامع المبتغاة ، قلّ التمسك بها ، والتمست الفرص للتحلل منها . وقد كان اليهود يبنون عظمتهم المادية والسياسية على تفرّق العرب ، قبائل متناحرة ، فلمّا دخل العرب في الإسلام ، وأخذت الحزازات القديمة تتلاشى ، وتتابعت الأيام تؤكّد أنّ الإسلام سوف يصنع من العرب أمة واحدة . . استشعر اليهود القلق ، وساورتهم الهموم ، وشرعوا يفكّرون في الكيد لهذا الدين ، والتربص بأتباعه . ثم إنّ اليهود في المدينة يكوّنون البيئة التي تتوافر فيها سوات التدين المصنوع ، والاحتراف السمج بمبادئ السماء ، وأبرز خلال هذه البيئات الحقد ، والنفاق ، والتمسّك بالقشور والولع بالجدل ، ومن وراء ذلك قلوب خربة ، ونفوس معوجّة . وربما اقتبسوا من جوارهم للعرب بعض فضائل الصحراء كالكرم والشجاعة ، بيد أنّ انطواءهم العنصريّ غلب على سيرتهم ، فالتصقت هذه الفضائل بنفوسهم كما تلتصق أوراق الزينة بالجدران المشوهة . وكان المتوقع أن يرحّب اليهود بالإسلام ، فإذا لم يرحّبوا به فليكونوا أبطأ من الوثنيين في مخاصمته ، فإنّ محمدا صلى اللّه عليه وسلم يدعو إلى توحيد اللّه ، وإصلاح العمل ،